الفيض الكاشاني

223

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

أزلا وأبدا على ما هو عليه في نفس الأمر ، وتقدّسه عمّا يوجب التغيّر والسنوح ونحوهما ؟ فاعلم أنّ القوى المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة لعدم تناهي تلك الأمور ، بل إنّما تنتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا وجملة فجملة مع أسبابها وعللها على نهج مستمر ونظام مستقر . فإنّ ما يحدث في عالم الكون والفساد ، إنّما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخّرة للّه ونتائج بركاتها ، فهي تعلم أنّه كلّما كان كذا كان كذا ، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه ، فينتقش فيها ذلك الحكم ، وربّما تأخّر بعض الأسباب الموجبة لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لولا ذلك السبب ولم يحصل لها العلم بذلك بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب ، ثم لمّا جاء أوانه واطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول ، فيمحى عنها نقش الحكم السابق ويثبت الحكم الاخر . مثلا لمّا حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا الأسباب تقتضي ذلك ولم يحصل لها العلم بتصدّقه الذي سيأتي به قبيل ذلك الوقت ، لعدم اطّلاعها على أسباب التصدّق بعد ، ثم علمت به ، وكان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدّق ، فتحكم أولا بالموت وثانيا بالبرء . وإذا كانت الأسباب لوقوع أمر ولا وقوعه متكافئة ، ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد ، لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد ، كان لها التردّد في وقوع ذلك الأمر ولا وقوعه ، فينتقش فيها الوقوع تارة واللاوقوع أخرى ، فهذا هو السبب في البداء والمحو والإثبات والتردّد وأمثال ذلك في أمور العالم . وأما نسبة ذلك كلّه إلى اللّه ؛ فلأنّ كلّ ما يجري في العالم الملكوتي إنّما يجري بإرادة اللّه تعالى ، بل فعلهم بعينه فعل اللّه سبحانه ، حيث إنّهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ، إذ لا داعي لهم على الفعل إلّا إرادة اللّه سبحانه لاستهلاك إرادتهم في إرادة « 1 » اللّه تعالى ، ومثلهم كمثل الحواسّ للإنسان ، كلّما همّ بأمر محسوس امتثلت الحاسة لما همّ به وأرادته دفعة ، فكلّ كتابة تكون في هذه الألواح والصحف فهو أيضا مكتوب اللّه عزّ وجلّ بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول ، فيصحّ أن يوصف اللّه سبحانه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار ، وإن كان مثل

--> ( 1 ) . في نسخة : إرادته .